ابن قتيبة الدينوري
مقدمة الطبعة الثانية 7
المعارف
وذلك منهج رأيته ألزم للمحقق أن يأخذ به نفسه فيقدم النص خالصا بمقابلاته ومخالفاته ويجعل الشروح والتعقيبات في إثر ذلك مستقلة كما فعلت ، ولقد رأيت المستشرقين يكتفون بإثبات المقابلات ولا يضيفون إليها شروحا وتعقيبات . ورأيت المنهج الشائع في الشرق المزج بين العملين ، أي بين إثبات المقابلات وبين الشروح والتعليقات دون فصل بينهما . وما من شك في أن الأمرين مطلوبان ، فنحن بإثبات المقابلات ملزمون ، ثم نحن - أصحاب هذا التراث - نحس بعد هذا حاجة القارئ إلى تيسير وتوجيه وتبيين ، من أجل ذلك جاوزنا الشق الَّذي التزمه المستشرقون وأضفنا إليه تلك الزيادات الشارحة ، ولكن ذلك يجب أن يكون على تلك الحال التي التزمتها من فصل بين الأمرين ، حتى نجعل النص خالصا كما قلت والشروح بمعزل عن ذلك . وكنت في مقدمتي التي قدمت بها للكتاب في طبعته الأولى مسبوقا بمقدمات جاءت حول كتب لابن قتيبة طبعت طبعات محققة - مثل عيون الأخبار ، ومشكل القرآن ، والميسر والقداح - تضمنت تراجم لابن قتيبة . وأشق ما يحسه الآخذ في الترجمة لمؤلف كتاب أن يجد نفسه مسبوقا إلى ذلك بتراجم لمعاصرين نهضوا بمثل ما ينهض به لهذا المؤلف في كتب أخرى له ، إذ عليه عند ذلك أن يمعن في البحث ويستقصى بعد ما استقصوا ، وفرق بين أن تواجه العمل لم يسبقك إليه غيرك فتجد السبل كلها في يديك وتجد نفسك بين يدي مادة لم تمتد إليها يد فتشكل فيها حيث تشاء ، وبين أن تواجه عملا قد سبقك إليه غيرك فتجد مادته قد استنفدت استقراء ، وتجد أن عليك أن تنقب وتمعن في التنقيب لعل ثمة شيئا فات من سبقوك ، كما تجد أن عليك أن تنظر في أعمالهم نظرة شاملة فاحصة لعل ثمة أمرا لا يستقيم لرأيك . وهكذا كان لزاما عليّ ، وأنا أترجم لابن قتيبة ، أن أحمل هذا العبء في الاستقصاء ، وأظننى قد وفيت الأمر حقه ، وقدمت مقدمة فيها هذا الشمول الَّذي أردته ، وفيها هذا الاستقصاء الَّذي وفقت إليه ، وفيها هذا التعقب لمن سبقوني . ولقد كان من أهم ما عرضت له في مقدمتي وأفضت فيه ، ذاك الَّذي أثير قديما - ولا يزال يثار - حول ما بين هذا الكتاب « المعارف » ، وبين كتاب « المحبر » لابن